اسماعيل بن محمد القونوي
325
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فأمر المواجهة لإيجاب بلفظ الغيبة وهذا المقام أشبع فيه الكلام في سورة إبراهيم عليه السّلام والمراد بإبصارهم الأعضاء لأن الغض من شأنها وقد حكم في سورة البقرة بأنه مجاز حيث قال والإبصار جمع بصر وهو إدراك العين وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضو . قوله : ( أي ما يكون نحو محرم ) إشارة إلى معنى من فإنه تبعيضية فالمراد غض البصر عما يحرم وقصره على الحلال وجعل الغض عن بعض المبصر غضا عن بعض البصر ونقل الكشاف أنه قال إن فيه كناية حسنة ليست في حفظ الفروج ولذا لم تدخل فيه من فتأمل لأن غض بعض البصر مستلزم للغض عن بعض المبصر فذكر الملزوم وأريد اللازم وفيه إذ اللازم الغض عن بعض المبصر الذي يرى بعضه لا الغض عن بعض المبصر الذي يحرم إليه النظر رأسا فالمراد غير لازم واللازم غير مراد ولعل لهذا قال فتأمل ويمكن الجواب بأن اللزوم للنوع كاف في المجاز « 1 » والكناية ولهذا قال إن فيه كناية حسنة . قوله : ( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ المعارج : 30 ] ولما كان المستثنى منه كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه وقيد الغض بحرف التبعيض ) ولما كان قوله : ولما كان المستثنى منه كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه وقيدا الغض بحرف التبعيض يريد رحمه اللّه بيان سبب اطلاق حفظ الفروج وذكره بلا استثناء شيء وتقييد الغض بمن التبعيضية وذلك أن المستثنى في حفظ الفروج وهو الأزواج ومن ملكت بملك اليمين شاذ نادر فجعل لندرته في حكم المعدوم فذكر مطلقا من غير استثناء وأما أمر النظر فأوسع ألا يرى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وأسواقهن وأقدامهن وكذلك الجوار المستعرضات والأجنبية يباح النظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين فلذا قيد الغض بمن التبعيضية دلالة على أن المراد غض البصر عما يحرم وقصره على ما يحل وأطلق حفظا الفروج حيث لم يقيد بشيء دون شيء دلالة على أن حفظها عن كل شيء على الاطلاق واجب مبالغة في تحفظها وتحريضا عليه والحاصل أنه لما كان المباح أقل من المحظور في باب الجماع جعل لقلته في حكم العدم فاطلق الحفظ أي ذكر مطلقا ولم يتعرض للاستثناء دلالة على أن الفرج واجب الحفظ من غير استثناء شيء مبالغة في التحريض على تحفظه بخلاف النظر فإن المباح فيه أكثر من المحظور فلم يجعل لكثرته في حكم العدم فقيد الغض بمن المبعضة قال صاحب الكشاف دلالة على أن أمر النظر أوسع وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك فرقان أن أبيح النظر إلا ما استثنى عنه وخطر الجماع إلا ما استثنى منه والمراد بالمستثنى منه في قول القاضي رحمه اللّه ولما كان المستثنى منه كالشاذ هو المستثنى وهو الأزواج ومن ملكت باليمين لا المستثنى منه كما هو المشهور فالمعنى ولما كان الذي استثنى من هذا الحكم كالشاذ وإلا فالمستثنى منه على المشهور أكثر من المستثنى وليس كالشاذ النادر لأن المعنى يحفظوا فروجهم عن كل شيء إلا عن أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإن المستثنى منه فيه كل شيء وهو أكثر من المستثنى .
--> ( 1 ) كما صرح نظيره في قوله رعينا الغيث وهو مجاز عن النبات وإن لم ينبت بالغيث والمطر .